محمد محمد أبو ليلة

276

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

وألف الراغب الأصفهاني كتاب " المفردات " ؛ كذلك ألف العلماء في غريب القرآن ويقصد بغريب القرآن تلك الألفاظ أو التراكيب التي تحتاج إلى إعمال الذهن والغوص على المعنى البعيد ، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة : " أعربوا القرآن ، والتمسوا غرائبه " ؛ ومن أشهر المؤلفين في ألفاظ غريب القرآن أبو عبيدة والعزيزي الذي عكف على تأليف كتابه مع شيخه ، ابن الأنباري خمس عشرة سنة « 1 » . بدأ الكاتب حديثه بالإشارة إلى آراء العلماء المسلمين في موضوع اشتمال القرآن على ألفاظ غير عربية ، حيث انقسم علماء المسلمين في هذا الصدد إلى فريقين : الأول ينكر إنكارا جازما أن يكون في القرآن ألفاظ غير عربية ، ومنهم الإمام الشافعي الذي ينتصر للغة العربية ويعتبرها أوسع اللغات التي لا يمكن أن يحيط بها إلا نبي مرسل ، ويقول " إن القرآن يدل على أنه ليس فيه من غير لغة العرب وأن القائلين بهذا وجدوا من يتلقّفه عنهم " « 2 » . ومن هذا الفريق أبو عبيدة والقاضي أبو بكر وابن فارس ، وشاهد هؤلاء العلماء على عربية القرآن الخالصة قوله تعالى : قُرْآناً عَرَبِيًّا ( يوسف : 2 ) وغيرها من الآيات التي أشرنا إليها في مواضع أخرى من هذا البحث ولا داعى لتكرارها . شدد هؤلاء العلماء في النكير على من قال إن في القرآن ألفاظا أعجمية ، ووجّه ابن جرير ما ورد عن ابن عباس وغيره من ردّ بعض ألفاظ القرآن إلى أصول فارسية أو حبشية أو نبطية أو نحوها بأن هذا إنما وقع فيه الاتفاق بين اللغات ، فتكلمت بلفظه بعض الشعوب . وعلل غير الطبري اشتراك بعض اللغات في بعض الألفاظ مع العربية بأن العرب العاربة التي نزل القرآن بلغتهم كانوا يحتكون ببعض الشعوب غير العربية في أشعارهم وربما خالطوا بعضهم فعلقوا من لغاتهم ألفاظا غيروا بعضها بالنقص من حروفها واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربي الفصيح ، ووقع بها البيان ، وعلى هذا الحد نزل القرآن . وفريق ثالث يقول إن كل ألفاظ القرآن عربية صرفة ولكن ربما غابت بعض

--> ( 1 ) السيوطي . الإتقان 2 / 3 وما بعدها . ( 2 ) انظر : الرسالة 26 - 27 .